سيد محمد طنطاوي

186

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( ما ذا أَرادَ اللَّه بِهذا مَثَلًا ) * أي : أي شيء أراده اللَّه - تعالى - ، أو ما الذي أراده اللَّه - تعالى - بهذا العدد المستغرب استغراب المثل . وعلى الأول تكون * ( ما ذا ) * بمنزلة اسم واحد . . وعلى الثاني : هي مؤلفة من كلمة * ( ما ) * اسم استفهام مبتدأ ، و * ( ذا ) * اسم موصول خبره ، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، و * ( مَثَلًا ) * نصب على التمييز أو على الحال . . وعنوا بالإشارة : التحقير ، وغرضهم : نفى أن يكون ذلك من عند اللَّه - تعالى - . . « 1 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّه مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن في قلوبهم مرض لهذا المثل . أي : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين ، يضل اللَّه - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل في قلوب المؤمنين ، يهدى اللَّه من يشاء هدايته من عباده ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شيء ، وهو على كل شيء قدير . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد الذي جعله اللَّه - تعالى - على سقر ، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ومشيئته ، فقال : * ( وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) * . والجنود : جمع جند ، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد . والمراد بهم هنا : مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ، تشبيها لهم بالجنود في تنفيذ مراده - سبحانه - . أي : وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم - ، ولا مبلغ قوتهم ، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذي ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم . . عن غيرنا . قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) * أي : وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى - ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط . وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما ، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال في صفة البيت المعمور ، الذي في السماء السابعة : فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 127 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 295 .